الرئيسية  |  مقالات  |  أخبار  |  أخبار المهجر  |  تربية ومجتمع  |  شرق إفريقيا  |  مختارات صحفيه  |  حوارات  |  تاريخ وتراجم
حكاية إنسانية لجندية صومالية Print E-mail
مقالات - مقالات سياسية
Written by عبده مهد أحمد الشيخ إسماعيل (شرحبيل)   
Tuesday, 14 May 2013 11:01

منذ إطاحة حكم الرئيس الراحل محمد سياد برى دخل الوطن بصفة عامة دوامة الفوضى ومقديشو العاصمة بصفة خاصة ، وخلال العقدين الماضيين والتي عشت أغلبها فيها ؛ لم نعرف كثيرا من الإنسانية ! كان قانون الغابة يحكم علاقة الجميع ، البيوت منهوبة والمرافق العامة أصبحت ممتلكات خاصة لأشخاص  ، لا محاكمة ولا فيصل إلا صوت البندق ومنطق القوة ،  فأصبحت دية الإنسان مائتي دولار تقريبا وفي أغلب الأحوال هذرا ، لم يكن هناك فرق بين القتل العمد والخطأ ؛ ولم يكن يستطيع شراء  السيارات وأدوات الراحة  إلا من لديه قوة تحميه من النهب والغصب بل كان الكسب المادي والنجاح في التجارة مجلبا للإختطاف وطلب الفدية ما لم يكن صاحب الإنجاز يأوي إلى ركن شديد !

صاحب السيارة وصاحب العربة

قبل شهر تقريبا كنت أعبر شارع تليح في حي هدن بمقديشو وكان بجانبي رجل أجهدته ظروف الحياة ويكافح متاعبها ، يبدو عليه آثار التعب والعناء ولكن كان لديه شخصية قوية وعزيمة متينة ونية صادقة وطموح عال ، فلقد استطاع أن يعول نفسه وأهله من عربة يدوية  يحمل فوقها جراكين المياه لبيعها على الأسر الفقيرة التي تعيش في مخيمات النازحين .

وبينما صاحبي في الطريق يمشي على مسافة قريبة مني فاجأته سيارة فرقت بينه وبين عربته ونثرت جراكين المياه في الشارع ! واستعان بالصيحة إلى صاحب السيارة وطلب منه الوقوف ليعوض عما لحقه من ضرر ولكن كعادة المجرمين لم يستجب لطلب المسكين وتركه دون أدنى شفقة !! ولاذ المسكين بالدعوة إلى الملك القهار ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب  ! ولم تكن لدينا حيلة ولا قوة غير التأمين !

الجندية والطفل

وفي يوم أمس وفي نفس الشارع بينما نحن في مقهى مصعب نعيش مع القهوة والشراب ونستنشق الهواء الطلق ؛ وتمر السيارات أمامنا ، وبعض الأطفال الذين يسكنون في بيت على حافة الشارع يجلسون على عتبة بابهم ؛ يلعبون وتظهر من وجوههم براءة الأطفال ، وبسرعة يقف أحدهم  ويذهب صوب الشارع ؛ وجاءت سيارة في الطريق ؛ واجتمعا الطفل والسيارة في وسط الشارع وتصافحا ، وتوقفت السيارة على مقربة منا ونزلت السائقة الجندية بسرعة ؛ وهي لابسة الزي العسكري ؛ وخاطبت الطفل بلطف وحنان ولكن الصبي تحير واندهش وخاف منها ومن الجنود الذين كانوا معها ؛ وقمتُ من الكرسيي وأخذتُ بيد الطفل وقلتُ له  " لا تخف هي عمتك وما في مشكلة أخبرها عما أصابك" وقالت الجندية " ما ذا أصابك يا ابني " وأجابنا بصوت خافض مجهش بالبكاء " لا شيء " ، وبينما نحن نكرر طلبنا أن يخبرنا عن حالته لأننا لم نر أية إصابة ظاهرة في جسده خرج أبوه من البيت وأخبرنا الخبر وقال بعفوية مندهشا وقوف السيارة التي تقلّ العسكر من أجل ابنه الصغير " في الناس من هم مسلمون " ! يعني أن في المجتمع  بقايا خير وأشخاص لم يمت منهم الضمير إذا أخطأوا في حق الآخرين يقفون ويسترضون ويستعدون لإرضائهم بأقصى ما يمكن فعله ! ولقد استغرب الجميع ما فعلت هذه الجندية التي وقفت في طريق مزدحم وفي جو غير آمن لشخصية مستهدفة مثلها ؛ وأغرب من ذلك أنه لم يكن يبدو من وجهها غير آثار التعاطف مع الطفل ولم تكن إحساس الخوف بادية ! كانت لحظة عبرة بالنسبة لمن حضر الموقف ، إنها جندية ومسؤولة ولها حرس وتقف في وسط الشارع من أجل طفل من شعبة ما يسمونه بـ ( Looma Ooyaan) الذين ليس لهم  قبيلة  تحميهم ولا قانون يصونهم ! مثله مثل صاحب العربة ! حقا إنها نموذج يحتذى في الإنسانية وللمرأة الصومالية بقايا عزة وشموخ وكبرياء ؛ وفي وسط الجموع تعهدت أنها تعود إليهم غدا وأعطت رقم هاتفها لأبي الطفل وسألها في أي مجموعة تنتمي من الجيش وذكرت له أنها من مجموعة كذا بصوت لم أسمعه ولكنه فهم وقال لها أنا جندي من قوات الوطن الصومالي ! .

حاولت أن أتعرف على الجندية والإتصال بها ككاتب عاش هذه الحظة للمرأة المهيبة من الجيش الصومالي التي هي جزء منه ونحن نفتخر بهم وبهذه القلوب الطيبة والإستشعار بحجم السمؤولية وإن كنا نحسب هذا الموقف للنساء ؛ ولكن لم يحالفني الحظ ولم تستجب لإتصالاتي ، لكنني بعد تتبع أفاد لي بعض من كان معي في المكان أنها ابنة ( ألمن ) الجندي المجهول ؛ الرجل الوطني المتطوع الذي حاول إسعاد الصوماليين ببذل كل ما في وسعه من جهد ولكنهم قابلوا إحسانه  بالغدر فاغتالوه ، عرفته وأنا صغير وفي بداية التسعينات في أيام العسر وكنا ندرس مدرسة ليلية تبرع ألمن الكهرباء بها  كما تبرع لعدد من المساجد ، وعرفناه يحب العمل ويكافح التسول ويخلق لهم فرص عمل ، وقد خلف وراءه تركة طيبة للأمة الصومالية منها منظمة حقوقية ومعاهد مهنية لتدريب المساكين .

تحياتي إلى أوليك الأبطال الشجعان أولئك الجنود والعساكر الذين هم في الثغور ؛ والذين يقفون في الشوارع ليلا ونهارا دون أن يتقاضوا راتبا يسد حاجياتهم ! يحملون البندق والزي العسكري ليسهروا وينام الآخرون ! ونرجوا أن يرزقهم الله قيادة صالحة تبذل كل ما في وسعها لتحقيق الأمن والإستقرار وتوفر العطاء لأولئك الرجال في الميادين ! تحياتي القلبية الخاصة لتلك الجندية المخلصة !

 

تعليقات حول الموضوع

avatar cali cadow
يعطيك العافية أخي بجد مشكوووووووور على هذه المقالة التي دلت على وجود بوادر خير في وطننا الحبيب
الإسم *
البريد الإلكترونى
الغاء
Bookmark and Share
- المشاركة يجب أن تلتزم بالمادة المنشورة والمختار التعليق عليها، وبخلافه سيتم إهمال التعليقات التي تكون خارج الموضوع.
- يهمل كل تعليق يتضمن شتائم أو تعابير خارجة عن اللياقة والأدب.
المشاركة لاتتجاوز عن 1000 حرف - الأحرف المتبقية1000
الإسم *
البريد الإلكترونى